Tuesday, 11 May 2010

قانون الأخلاق

قالت والدموع تترقرق فى عينيها: إنى جاهلة أشد ما يكون الجهل.. جاحدة أشد ما يكون الجحود ونكران الجميل! أنت تعرف أنى ورثت ثروة طائلة عن جدى.. كما تعلم أنه.. ترك لى قصراً.. تحفة معمارية رائعة.. مليئة باللوحات والتماثيل! ولكن أروع ما فى هذا القصر.. مكتبة.. بها آلاف الكتب.. ومئات الآلاف من الأوراق.. ولكنها بنقوش وطلاسم.. لم أفهم منها شيئاً..!

جاءنى رجل وادعى أنه خال لى منذ زمن بعيد..! وقال لى: جدك هذا جمع ثروته هذه من مال حرام لأنه كان كافراً عابداً لأوثان! وبنى قصره هذا بأن سخرنى أنا وعشيرتى فى بناء هذا القصر العظيم! كان رجلاً ظالماً لم تعرف العدالة له سبيلاً!

كما قال لى: كان جدك جاهلاً... احتقر العلوم جميعاً، وقضى على الفلاسفة، واستخدم السحر والشعوذة فى شفاء الأمراض!

احتقرت جدى، وكنت كل يوم ألعنه عشرات المرات، وحطمت تماثيله، وتاجرت فى بعضها، ومزقت كتبه وأوراقه، وكنت أستخدمها وقوداً للأفران! وما كان يدهشنى أن أناساً من بلاد أجنبية.. كانوا يزورون قصر جدى.. ويدفعون لى المال الوفير... كنت أعيش من خيره وألعنه..!! هل رأيت غباء يُشبه هذا الغباء؟! أو بجاحة تُشبه هذه البجاحة؟!

كنت أعجب من هؤلاء الأجانب الذين كانوا ينظرون إلى فى إكبار وإجلال لأنى حفيدة هذا الجد العظيم! فكنت أنظر إليهم وأقول لنفسى: يا للبلهاء! وأنا البلهاء الغبية المغيبة عن حقيقة هذا الجد العظيم!

كان الزلزال الكبير.. حين زار قصر جدى.. رجل فرنسى يُدعى جان فرانسوا شامبليون.. ودخل إلى مكتبة القصر.. وأخذ يقرأ ويقرأ.. وأخيراً قال لى: يا لك من حفيدة ليس مثلها حفيدة فى العالم كله! أن تكونى حفيدة هذا الجد.. الذى يتداعى الخيال ويسقط بلا حراك تحت أقدامه! هل قرأت ما تركه لك؟ قلت: لا أعرف لغته! قال: أنت لا تستحقين أن تكونى حفيدته! ولكنى سأعلمك كيف تقرئين ما تركه لك.. بل للبشرية جمعاء.

وتعلمت وقرأت.. وكان هذا هو الزلزال الكبير الذى زلزل كيانى كله.. عرفت أن خالى.. ليس بخالى.. إنما هو راعى غنم.. خدعنى وكذب علىَّ حتى صدقته.. عرفت أن جدى.. هو أول من علم هذا الكذاب أن هناك حياة بعد هذه الحياة، وأن هناك عدالة اسمها ماعت، وأن هناك حساباً، وثواباً، وعقاباً... وأن هناك جنة وناراً، وكان هذا الخال الكاذب يؤمن بأن الأرواح تذهب إلى أرض الظلمات.. أرض «شيول».

عرفت أن جدى كان أول من وضع قانوناً للأخلاق أسمى بكثير من قوانين هذا البدوى «برستد» كما أنه كان أول من وضع قانوناً لحقوق الإنسان «حور محب».

عرفت أن جدى كان رياضياً بارعاً، وفلكياً موهوباً، وطبيباً أجرى الجراحات ووصف الدواء على أسس علمية صارمة.

عرفت أن جدى هو أول من اكتشف الشعرى اليمانية وضبط بها السنة القمرية وحولها إلى سنة شمسية ٤٢٤١ ق.م.

عرفت أن جدى كان فناناً مرهف الحس.. وضع السلم السباعى للموسيقى، وعلم أفلاطون الفلسفة.. حتى قال أفلاطون: ما من علم لدينا إلا وقد أخذناه من هذا الجد العظيم.

كان جدى يقول لنائبه: اعلم أن الماء والهواء.. سينقلان إلىَّ كل ما تفعل فى الخفاء.. ليكن نبراسُك ماعت (العدالة).

عرفت أن جدى كان طبيباً ماهراً، حين زارنى فى القصر وارن داوسن وقال لى: العلوم جميعاً خاصة الطب.. جاءت من جدك العظيم..

قرأت وقرأت فيما كتبه جدى.. فعرفت أن الله أرسل له إدريس وقد كان نبياً ورسولاً.. كما أرسل له لقمان والخضر.. لذا لم أجد كلمة جديدة عند هذا الخال لم يقلها جدى.. بل أخذ هذا الخال حكم أمنوبى.. وقصة الأخوين، ونسبها لنفسه (برستد - فجر الضمير ص ٣٠٣).

ما أشد حيائى من نفسى.. وإنى أحاول أن أجد الأعذار لخديعتى وجهلى.. فلا أرى أنها تغنى عن الحق شيئاً..! هذا الحق هو أنى ساذجة أشد ما تكون السذاجة.. عقلى فى أذنىَّ كالببغاء.. صدقت هذا الكاذب وأسأت إلى هذا الرجل العظيم.

أجهشت صاحبتى بالبكاء.. ونظرت إلى يديها.. وقالت: طالما دمرت من تراثك يا جدى الحبيب.. لست أدرى.. إذا كان ما تبقى من العمر يكفى لأغسل يدىَّ من هذا العار أم لا؟! ولكنى أعدك أيها الجد العظيم أن ما بقى من العمر هو لك وحدك
.
بقلم د.وسيم السيسي...نقلا عن المصرى اليوم

21 comments:

  1. بجد بوست رائع جدا اسعدني كثير ان هناك شعله امل ,. شعله ان نحافظ علي تراث الجد ، شعله ان تحرق الجهل التي تشربناه ، شعله ان تنير لنا ظلمات النفس التي ظلمناها معانا باصرارنا علي الجدو وليهدي الله رعاه الاغنام إلي الطريق القويم السليم اللهم امين ..

    شكرا ليكي وشكرا لكل مصري اصيل عمل حاجة ليكون لنا بيها نبراس وشكرا للدكتور وسيم السيسي صاحب الفضل بالمقال

    ReplyDelete
  2. رائعة و تدل على حالنا الآن بعد تركنا رعاة الغنم يسوقونا و يتحكمون فينا بجهلهم و حقدهو و غيرتهم منا نحن اصحاب التاريخ و مدمرى التاريخ ايضاً بفعل هؤلاء الجهلاء

    ReplyDelete
  3. عزيزتى

    اول حاجه تحيه لكاتب المقال د.وسيم السيسى


    اكيد فى جدود عظماء بس دول مش اجدادنا لاننا مش زيهم ولا عظمتهم لما نكون زيهم نقول عليهم اجدادنا

    تحياتى

    سلام

    ReplyDelete
  4. أتمنى ان تعود مصر لهويتها المصرية الاصيلة لان من يوم البترودولار الوهابى و التخلف و الارهاب و التطرف و الكراهية اصبحوا ثقافتنا و هويتنا البلد بقت شبه قندهار و كلها دقون و زبيب صلاة مخلى الوجوه مخيفة ده غير اتواب القماش و السواد و الريحة البشعه و كل ده الشعب سلوكيا بعيد عن روح الاسلام جدا...اسلام مصر زمان ايام ما كانت الحياة حلوة و التدين وسطى

    نور

    ReplyDelete
  5. الله جميل وسيم السيسى علامه حقيقى فى مجاله بستمتع به جدا اوىىىىىى وهو بيتكلم عن اجددنا
    اللى هانفضل نفخر بيهم وعيشين على حس حضارتهم
    وماحلتناش غيرها للاسف وبردو مش عارفين نصونها
    وحتى لوجه اللى يقول كانو وكانو كانو

    نقدر نقوله بالفوم المليان كل زمان ومكان ياسيدنا كان فيه الصالح والطالح

    لكن دول خيرهم كان اكتر وغرق الكون لحد دلوقتى

    شكرا جدا على المقاله الجميله
    والله ماتتصورش بحس بالفخر ازاى وانا بقراء الحاجات اللى من النوع الثمين دا
    شكرا يا تيرز

    ReplyDelete
  6. ياترى ممكن يفوق فى يوم من الايام المخدوعين ببريق البتروريالات ويحتقرون الآن اثار اجدادهم ويلهون خلف التخلف والجهل ويقلدونهم بكل نطاعه بل يسعون بشتى الطرق لنشر الجهل البدوى ؟

    ReplyDelete
  7. MR.PRESIDENT

    مرحبا

    فعلا بتفق معك و الدكتور وسيم السيسى شخصية مثقفة للغاية

    الطريق الذى نراه سليم و ندعو ان يهدى الله له الغير قد يكون فى نظر الاخر ليس كذلك و هذا حقه و ربما نكون مخطئين و العكس صحيح بنفس القدر لذا فكل كائن حر فيما يعتقد و ان كنا نصاب بالضرر فهذا لهشاشتنا الثقافية و ضعفنا و بالتالى علينا علاج انفسنا و ليس محاولة تغيير الاخر و اعتقد ان هذا ما قصدة الدكتور وسيم....فاين نحن الان كهوية مصرية من ايام زمان؟


    تحياتي

    ReplyDelete
  8. احساس لسه حى

    شكرا لك

    ReplyDelete
  9. Anonymous
    نور

    شكرا لك

    ReplyDelete
  10. Haytham Alsayes

    هيثم بجد مرسيه جدا على ذوقك و اهتمامك

    اطلعت على اغانية و هو فعلا بينتقى كلمات جيدة و بيسعى لتقديم فن محترم و لكن اعتقد ان شهرته مازالت محدودة فبالرغم من كم القنوات دى لم اكن سمعت عنه من قبل

    شكرا جزيلا

    ReplyDelete
  11. Desert cat

    يجب التأكيد على أهمية دراسة التاريخ اولا

    ReplyDelete
  12. بالطبع رااائع جدا هذا المقال ويبرز مدى التغييب الذي نعيش فيه

    ReplyDelete
  13. الحمد الله اننا عرفنا قيمه الاجداد
    يحاولون طمس هويتنا نحن صناع الحضاره حت افقدونا ثقتنا بنفسنا ودمرنا الكثير والكثير من رموزحضارتنا تحت دعوى تعارضها مع الاسلام
    حتى اصبحنا وكأننامسخ مشوه
    فلا نحن بالمسلمون حقا ولا احتفظنا بهويه الاجداد
    بوست رائع
    تحياتى تيرز العزيزه

    ReplyDelete
  14. عزيزتى تيرز: عندك حق فعلا موضوع يستحق إعادة القرأة وأخذ العبر منه فعلا ونحتاج لإعادة النظر فى الماضى والتاريخ...وفقك الله

    ReplyDelete
  15. فشكووول

    فعلا هو عظيم رغم انه كان خانع مثلنا و لكن ليتنا واحد على الأف منه فى عقله و علمه و عمله

    ReplyDelete
  16. Tears:
    أحيانا لا أجد شىء أفعله سوى أن أحزن وبشدة
    على حالنا
    وأكره حالى وأزداد حزنا
    شكرا للمشاركة
    تحياتى
    معلش أنا بقالى كم يوم مش بأدخل على النت ماليش مزاج أقرأ ولا أكتب

    ReplyDelete
  17. ياريت باعت بس الكتب دي باعت اصول الافلام السينمائية كمان لراعى الغنم ...على الاقل بتاع اللب ممكن يعملها قراطيس وممكن تتقرى

    ReplyDelete
  18. تييرز

    اخاف ان نمعن فى معرفة جدنا العظيم



    حتى نتلهى به عن معرفة كيف نواجه واقعنا المعاش

    عندها تستوى المعرفة بالجهل

    تحاتى وتقديرى

    ReplyDelete
  19. رغم انف الخال حاتفضل الحضارة الفرعونية ليها فضل بعد ربنا على كل الدنيا وحاتفضل ليها سحر خاص ياسر الجميع
    حتى وان تظاهر بالعداء لها
    تحياتي ليكي على المقال

    ReplyDelete
  20. فكرة من الزمن ده

    بالتاكيد عزيزتى هى باقية رغم انف الحاقدين

    دمتى بخير

    ReplyDelete
  21. الأخت العزيزة الأستاذة/ تييرز ..
    العبرة من قصتك هو ألا يحكم الإنسان على أحد دون بينة ودون معرفة كل شيئ عنه وألا يصدق أحدا قبل أن يتأكد وقد قال الله تعالى " ياأيها ال1ذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على مافعلتم نادمين" وأعتقد أن هذه الآيات هى أبلغ رد على مافعلته الحفيدة دون أن تدرى حيث لاينفع الندم وشكرا لك على القصة الموعظة الحسنة .
    لى سؤال لك : لقد جهزت قصيدتى الأخيرة بصوتى وبعض الصور المصاحبة ببرنامج proshow-gold فكيف أنزله على مدونتى أمام القصيدة وشكرا لك .

    ReplyDelete