قالت والدموع تترقرق فى عينيها: إنى جاهلة أشد ما يكون الجهل.. جاحدة أشد ما يكون الجحود ونكران الجميل! أنت تعرف أنى ورثت ثروة طائلة عن جدى.. كما تعلم أنه.. ترك لى قصراً.. تحفة معمارية رائعة.. مليئة باللوحات والتماثيل! ولكن أروع ما فى هذا القصر.. مكتبة.. بها آلاف الكتب.. ومئات الآلاف من الأوراق.. ولكنها بنقوش وطلاسم.. لم أفهم منها شيئاً..!
جاءنى رجل وادعى أنه خال لى منذ زمن بعيد..! وقال لى: جدك هذا جمع ثروته هذه من مال حرام لأنه كان كافراً عابداً لأوثان! وبنى قصره هذا بأن سخرنى أنا وعشيرتى فى بناء هذا القصر العظيم! كان رجلاً ظالماً لم تعرف العدالة له سبيلاً!
كما قال لى: كان جدك جاهلاً... احتقر العلوم جميعاً، وقضى على الفلاسفة، واستخدم السحر والشعوذة فى شفاء الأمراض!
احتقرت جدى، وكنت كل يوم ألعنه عشرات المرات، وحطمت تماثيله، وتاجرت فى بعضها، ومزقت كتبه وأوراقه، وكنت أستخدمها وقوداً للأفران! وما كان يدهشنى أن أناساً من بلاد أجنبية.. كانوا يزورون قصر جدى.. ويدفعون لى المال الوفير... كنت أعيش من خيره وألعنه..!! هل رأيت غباء يُشبه هذا الغباء؟! أو بجاحة تُشبه هذه البجاحة؟!
كنت أعجب من هؤلاء الأجانب الذين كانوا ينظرون إلى فى إكبار وإجلال لأنى حفيدة هذا الجد العظيم! فكنت أنظر إليهم وأقول لنفسى: يا للبلهاء! وأنا البلهاء الغبية المغيبة عن حقيقة هذا الجد العظيم!
كان الزلزال الكبير.. حين زار قصر جدى.. رجل فرنسى يُدعى جان فرانسوا شامبليون.. ودخل إلى مكتبة القصر.. وأخذ يقرأ ويقرأ.. وأخيراً قال لى: يا لك من حفيدة ليس مثلها حفيدة فى العالم كله! أن تكونى حفيدة هذا الجد.. الذى يتداعى الخيال ويسقط بلا حراك تحت أقدامه! هل قرأت ما تركه لك؟ قلت: لا أعرف لغته! قال: أنت لا تستحقين أن تكونى حفيدته! ولكنى سأعلمك كيف تقرئين ما تركه لك.. بل للبشرية جمعاء.
وتعلمت وقرأت.. وكان هذا هو الزلزال الكبير الذى زلزل كيانى كله.. عرفت أن خالى.. ليس بخالى.. إنما هو راعى غنم.. خدعنى وكذب علىَّ حتى صدقته.. عرفت أن جدى.. هو أول من علم هذا الكذاب أن هناك حياة بعد هذه الحياة، وأن هناك عدالة اسمها ماعت، وأن هناك حساباً، وثواباً، وعقاباً... وأن هناك جنة وناراً، وكان هذا الخال الكاذب يؤمن بأن الأرواح تذهب إلى أرض الظلمات.. أرض «شيول».
عرفت أن جدى كان أول من وضع قانوناً للأخلاق أسمى بكثير من قوانين هذا البدوى «برستد» كما أنه كان أول من وضع قانوناً لحقوق الإنسان «حور محب».
عرفت أن جدى كان رياضياً بارعاً، وفلكياً موهوباً، وطبيباً أجرى الجراحات ووصف الدواء على أسس علمية صارمة.
عرفت أن جدى هو أول من اكتشف الشعرى اليمانية وضبط بها السنة القمرية وحولها إلى سنة شمسية ٤٢٤١ ق.م.
عرفت أن جدى كان فناناً مرهف الحس.. وضع السلم السباعى للموسيقى، وعلم أفلاطون الفلسفة.. حتى قال أفلاطون: ما من علم لدينا إلا وقد أخذناه من هذا الجد العظيم.
كان جدى يقول لنائبه: اعلم أن الماء والهواء.. سينقلان إلىَّ كل ما تفعل فى الخفاء.. ليكن نبراسُك ماعت (العدالة).
عرفت أن جدى كان طبيباً ماهراً، حين زارنى فى القصر وارن داوسن وقال لى: العلوم جميعاً خاصة الطب.. جاءت من جدك العظيم..
قرأت وقرأت فيما كتبه جدى.. فعرفت أن الله أرسل له إدريس وقد كان نبياً ورسولاً.. كما أرسل له لقمان والخضر.. لذا لم أجد كلمة جديدة عند هذا الخال لم يقلها جدى.. بل أخذ هذا الخال حكم أمنوبى.. وقصة الأخوين، ونسبها لنفسه (برستد - فجر الضمير ص ٣٠٣).
ما أشد حيائى من نفسى.. وإنى أحاول أن أجد الأعذار لخديعتى وجهلى.. فلا أرى أنها تغنى عن الحق شيئاً..! هذا الحق هو أنى ساذجة أشد ما تكون السذاجة.. عقلى فى أذنىَّ كالببغاء.. صدقت هذا الكاذب وأسأت إلى هذا الرجل العظيم.
أجهشت صاحبتى بالبكاء.. ونظرت إلى يديها.. وقالت: طالما دمرت من تراثك يا جدى الحبيب.. لست أدرى.. إذا كان ما تبقى من العمر يكفى لأغسل يدىَّ من هذا العار أم لا؟! ولكنى أعدك أيها الجد العظيم أن ما بقى من العمر هو لك وحدك
.
بقلم د.وسيم السيسي...نقلا عن المصرى اليوم

بجد بوست رائع جدا اسعدني كثير ان هناك شعله امل ,. شعله ان نحافظ علي تراث الجد ، شعله ان تحرق الجهل التي تشربناه ، شعله ان تنير لنا ظلمات النفس التي ظلمناها معانا باصرارنا علي الجدو وليهدي الله رعاه الاغنام إلي الطريق القويم السليم اللهم امين ..
ReplyDeleteشكرا ليكي وشكرا لكل مصري اصيل عمل حاجة ليكون لنا بيها نبراس وشكرا للدكتور وسيم السيسي صاحب الفضل بالمقال
رائعة و تدل على حالنا الآن بعد تركنا رعاة الغنم يسوقونا و يتحكمون فينا بجهلهم و حقدهو و غيرتهم منا نحن اصحاب التاريخ و مدمرى التاريخ ايضاً بفعل هؤلاء الجهلاء
ReplyDeleteعزيزتى
ReplyDeleteاول حاجه تحيه لكاتب المقال د.وسيم السيسى
اكيد فى جدود عظماء بس دول مش اجدادنا لاننا مش زيهم ولا عظمتهم لما نكون زيهم نقول عليهم اجدادنا
تحياتى
سلام
أتمنى ان تعود مصر لهويتها المصرية الاصيلة لان من يوم البترودولار الوهابى و التخلف و الارهاب و التطرف و الكراهية اصبحوا ثقافتنا و هويتنا البلد بقت شبه قندهار و كلها دقون و زبيب صلاة مخلى الوجوه مخيفة ده غير اتواب القماش و السواد و الريحة البشعه و كل ده الشعب سلوكيا بعيد عن روح الاسلام جدا...اسلام مصر زمان ايام ما كانت الحياة حلوة و التدين وسطى
ReplyDeleteنور
الله جميل وسيم السيسى علامه حقيقى فى مجاله بستمتع به جدا اوىىىىىى وهو بيتكلم عن اجددنا
ReplyDeleteاللى هانفضل نفخر بيهم وعيشين على حس حضارتهم
وماحلتناش غيرها للاسف وبردو مش عارفين نصونها
وحتى لوجه اللى يقول كانو وكانو كانو
نقدر نقوله بالفوم المليان كل زمان ومكان ياسيدنا كان فيه الصالح والطالح
لكن دول خيرهم كان اكتر وغرق الكون لحد دلوقتى
شكرا جدا على المقاله الجميله
والله ماتتصورش بحس بالفخر ازاى وانا بقراء الحاجات اللى من النوع الثمين دا
شكرا يا تيرز
ياترى ممكن يفوق فى يوم من الايام المخدوعين ببريق البتروريالات ويحتقرون الآن اثار اجدادهم ويلهون خلف التخلف والجهل ويقلدونهم بكل نطاعه بل يسعون بشتى الطرق لنشر الجهل البدوى ؟
ReplyDeleteMR.PRESIDENT
ReplyDeleteمرحبا
فعلا بتفق معك و الدكتور وسيم السيسى شخصية مثقفة للغاية
الطريق الذى نراه سليم و ندعو ان يهدى الله له الغير قد يكون فى نظر الاخر ليس كذلك و هذا حقه و ربما نكون مخطئين و العكس صحيح بنفس القدر لذا فكل كائن حر فيما يعتقد و ان كنا نصاب بالضرر فهذا لهشاشتنا الثقافية و ضعفنا و بالتالى علينا علاج انفسنا و ليس محاولة تغيير الاخر و اعتقد ان هذا ما قصدة الدكتور وسيم....فاين نحن الان كهوية مصرية من ايام زمان؟
تحياتي
احساس لسه حى
ReplyDeleteشكرا لك
Anonymous
ReplyDeleteنور
شكرا لك
Haytham Alsayes
ReplyDeleteهيثم بجد مرسيه جدا على ذوقك و اهتمامك
اطلعت على اغانية و هو فعلا بينتقى كلمات جيدة و بيسعى لتقديم فن محترم و لكن اعتقد ان شهرته مازالت محدودة فبالرغم من كم القنوات دى لم اكن سمعت عنه من قبل
شكرا جزيلا
Desert cat
ReplyDeleteيجب التأكيد على أهمية دراسة التاريخ اولا
بالطبع رااائع جدا هذا المقال ويبرز مدى التغييب الذي نعيش فيه
ReplyDeleteالحمد الله اننا عرفنا قيمه الاجداد
ReplyDeleteيحاولون طمس هويتنا نحن صناع الحضاره حت افقدونا ثقتنا بنفسنا ودمرنا الكثير والكثير من رموزحضارتنا تحت دعوى تعارضها مع الاسلام
حتى اصبحنا وكأننامسخ مشوه
فلا نحن بالمسلمون حقا ولا احتفظنا بهويه الاجداد
بوست رائع
تحياتى تيرز العزيزه
عزيزتى تيرز: عندك حق فعلا موضوع يستحق إعادة القرأة وأخذ العبر منه فعلا ونحتاج لإعادة النظر فى الماضى والتاريخ...وفقك الله
ReplyDeleteفشكووول
ReplyDeleteفعلا هو عظيم رغم انه كان خانع مثلنا و لكن ليتنا واحد على الأف منه فى عقله و علمه و عمله
Tears:
ReplyDeleteأحيانا لا أجد شىء أفعله سوى أن أحزن وبشدة
على حالنا
وأكره حالى وأزداد حزنا
شكرا للمشاركة
تحياتى
معلش أنا بقالى كم يوم مش بأدخل على النت ماليش مزاج أقرأ ولا أكتب
ياريت باعت بس الكتب دي باعت اصول الافلام السينمائية كمان لراعى الغنم ...على الاقل بتاع اللب ممكن يعملها قراطيس وممكن تتقرى
ReplyDeleteتييرز
ReplyDeleteاخاف ان نمعن فى معرفة جدنا العظيم
حتى نتلهى به عن معرفة كيف نواجه واقعنا المعاش
عندها تستوى المعرفة بالجهل
تحاتى وتقديرى
رغم انف الخال حاتفضل الحضارة الفرعونية ليها فضل بعد ربنا على كل الدنيا وحاتفضل ليها سحر خاص ياسر الجميع
ReplyDeleteحتى وان تظاهر بالعداء لها
تحياتي ليكي على المقال
فكرة من الزمن ده
ReplyDeleteبالتاكيد عزيزتى هى باقية رغم انف الحاقدين
دمتى بخير
الأخت العزيزة الأستاذة/ تييرز ..
ReplyDeleteالعبرة من قصتك هو ألا يحكم الإنسان على أحد دون بينة ودون معرفة كل شيئ عنه وألا يصدق أحدا قبل أن يتأكد وقد قال الله تعالى " ياأيها ال1ذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على مافعلتم نادمين" وأعتقد أن هذه الآيات هى أبلغ رد على مافعلته الحفيدة دون أن تدرى حيث لاينفع الندم وشكرا لك على القصة الموعظة الحسنة .
لى سؤال لك : لقد جهزت قصيدتى الأخيرة بصوتى وبعض الصور المصاحبة ببرنامج proshow-gold فكيف أنزله على مدونتى أمام القصيدة وشكرا لك .